الشيخ عباس القمي
765
الفوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية ( فارسى )
و أمّا سيرته في تقسيم الحقوق و الوجوه : فشيء لا يمكن وصفه إذا دفعه بيده الشريفة ، فمع كمال الأدب و الاحترام و غاية الانكسار و الاختفاء ، بحيث يصير المدفوع إليه في غاية الممنونية من هذه الكيفية و يرضى بكلّ ما أعطاه و لا يستقلّه و لا يدفع النقد إلّا ملفوفا بكاغذ أو پاكيت أو نحو ذلك ، و هذا حاله مع سائر الناس المبذولين فضلا عن المحترمين ، و ربّما يأخذ في التكلّم مع الشخص و يلقى في جيبه الدراهم المصرورة و هو لا يدري و إذا أرسل الحق مع خدّامه يقول [ له ] : عندي أمانة مرسولة إلى فلان تدفعها إليه من حيث يخفى عن الناس ، و يقول له : إنّها أمانة مرسولة إليك بتوسّطنا ، و أمثال هذه الكيفيات . و كان له في كلّ البلاد وكلاء تجّار يكتب إليهم أسماء فقهاء [ فقرأ ظ ] تلك البلدة ، و يعيّن ما يعطوه ؛ و هذا غير الموظّفين منه في كلّ شهر أو في كلّ سنة . و لا يترك بلد فيه أهل الاستحقاق إلّا و يوصلهم - حسبما يراه - حتى بلاد إيران ؛ و كان يقول : ليس من الإنصاف أن نقبض حقوق أهل بلد و نترك فقراءها ؛ فإنّ الناس لا يعطون أحدا شيئا كلّما عندهم من الحقوق يرسلونها إلينا . و كان سيرته مع أهل بيته و أولاده ، فعلى أتمّ نظام و أكمل تدبير و إتقان . لا يدخل عليه أحد منهم حتى ابنه و زوجته ، إلّا بإذن ، كساير الواردين . فإذا دخل قام له و احترمه و خاطبه بكمال الآداب ، حتى مع ولده و هو ابن تسع سنين أو ثمان . كنت عنده فجاء خادمه يطلب الإذن لابنه في الدخول فإذن له فدخل و سلّم و وقف ، فأذن له الجلوس فجلس على غاية الأدب على ركبتيه مطرقا برأسه إلى الأرض . فأخذ أبوه في السؤال عن أحواله و عن درسه و لا يخاطبه ، إلّا بآقا . فجلس مقدارا و استأذن في الانصراف فأذن له و تحرّك له إعظاما له . و أمّا اشتغاله بالعلم : كان مولده منتصف جمادى الأولى سنة 1230 ، و مات أبوه و هو طفل ، فكفلّه خاله مجد الأشرف و طلب له معلّما خوشنويس في داره ، و لمّا بلغ عمره ثمان سنين فرغ من كلّ المقدّمات ، فاختار خاله أن يصير من أهل المنبر و الوعاظ ، و سلّمه إلى أكبر واعظ بشيراز ، فصار يحفظ أبواب الجنان كل يوم صفحة ، و في أثناء ذلك مات خاله فاشتغل بالفقه و الأصول ، ثم هاجر إلى أصفهان سنة 1242 و نزل مدرسة الصدر ، فحضر درس الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية ، فلمّا مات الشيخ رحمه اللّه لازم درس السيد المحقّق المير سيد حسن المدرّس ، حتى إذا كانت سنة 1259 ، هاجر إلى العتبات العاليات